صراع من اجل البقاء على المقعد …

 

بعد  ان اطلعت على  محتوى هذا الايميل  الجميل (( ايميل يمثل محاوله طالب ((عبقري))  في التعبير ))   تذكرت  بعض  المواقف  المضحكة  و الظريفة التي حدثت اثناء  مسيرتي لدراسية

ومن هذه المواقف …………

عندما  كنت في  الصف الاول متوسط   …كنت  تلميذا نجيبا ودرجاتي عالية دائما برغم  انني  لا ادرس كثيرا ، واهرب من الكتاب المدرسي الى قراءة الموسوعات العلمية  والقصص والروايات ..

مع  تفوقي في المدرسة اقول لكم – بكل صراحة – انني  لم  اكن ذاك  الصبي الهادئ و المثالي الذي يمكن لأمه ان تفتخر بهدوئه  ومثاليته ” امام  ( مجلس الامهات  ) الشبه  يومي و  المنعقد  دوريا في منازل ( ام محمد  و ام  فادي وام طارق   وام  عصام …الخ ) و غيرهن ممن كن نتقاسم معهن  حياة الاغتراب في ليبيا   

كانت امي المسكينة  دائما ما تُحرج  عندما يزف احد اولاد هؤلاء  النسوة (الملاعين ) الى امه  خبر تاديبي بالمدرسة بسبب كسر زجاج او كسر درج  او كسر انف احد  الطلبة ،  او تاديبي لاسباب لاتمت لدرجاتي  العلمية بصلة …

لكن  الوالدة الكريمة كانت ترد (( الصاع  صاعين ))  بنهاية العام  الدراسي  عندما تشهر بوجوههن  كشف علاماتي النهائي  المكتمل مع ابتسامتها الشامته المتشفية المنتصرة …..

(( فتردهن  على اعقابهن  خاسراتٍ  حاسرات  )) ….

اما انا من جهتي  فلم اكن لاهتم  كثيرا بهذه الامور،  لان اخر ما كان يعنيني تقييم  (( ام فادي  او ام عوض  او ام بطيخ )) …..

 وبصراحة … كنت اقرف من مصادقة اولادهن المحدد  ذكائهم  سلفا ، و الذين يمضون نهارهم كله في تقليب صفحات  الكتاب  المدرسي مجهدين  انفسهم  في اتجاه  واحد غير قابل  للتعديل

فتكون المعادلة 

ناجح  مع الاستذكار العنيف  او  راسب مع  الاستذكار  العادي))

ذكاء  ؟؟؟!!…

 لا يوجد ذكاء لهؤلاء خارج  نطاق  المنهج  ولاينالون اي اطراء غير اطراء النجاح  المدرسي  ولا توجد  لديهم  اي  نشاطات اخرى  بعيدا عن اسوار  المدرسة ….

 لذا كنت انظر بعين القرف واحيانا ((بعين  الشفقة )) الى هؤلاء الصبية  المغفلين ،و الذين يتشابهون بعلامات مشتركة فيما بينهم  كالقميص السادة  ، والشعر الممشط  على الجنب الواحد ، والساندويتش الموجود في لفائفه الورقية في حقيبة  الكتب ….و- طبعا -  ترمس الماء الكبير الذي يعلقونه  في اعناقهم  ((كإن الصبي ذاهب الى الدراسة  في صحراء  الربع  الخالي وليس الى  مدرسة تبعد  بضعة امتار  قليلة عن البيت   ))…

  هذا بالاضافة الى قواسم – نفسية  سلوكية  مشتركة – كالخوف المرضي من الاساتذة المعلمين و ((الوشاية بزملائهم  عند رؤية اول كرباج  يسحب من نطاقه  ))

ايضا هناك  اشياء اخرى تميز  هذه الفئة وهي انها دائما ما تاخذ  علقات ساخنة   و (( سحاسيح )) بمجرد  ان  تطأ قدماها  الارض المحايدة  خارج  بوابة المدرسة  بعيدا عن (( منطقة نفوذ الاساتذة و المدرسين و قوات الفصل المدرسية  ) )

******

في تلك  الفترة المبكرة كنت قد  اكتشفت  سعة هذا العالم  و جماله  وعرفت مبكرا ان  هناك اشياء يمكن ان تسعدك اضعاف ما تفعل شهادتك  المدرسية وعلاماتك  التي  يصححها  لك  استاذك (( النصف نائم )) ….اشياء  جميلة و  ساحرة   كالبحر  والقراءة الحرة،  والموسيقى ،  والرحلات  البعيدة عن اعين الاهل واجهزة الرادر التابعة لهم …. واكتشاف المناطق المحرمة  علينا في  تلك  السن ((  كالسينما   وغابات وادي الكوف الكثيفة   والسوق العالي  ومقاهي العمال المصريين  والذهاب بالباصات الكبيرة الى المدن والقرى المجاورة  ))

…  لذا كانت تلك  الفترة  من اجمل  واحلى فترات  حياتي  ومما  زادها  حلاوة  ان

…….  احم احم ….  

…. (( الحب  الاول ))

 الذي بدات اعاني حرقته   واذوق  حلاوة  تاثيراته  الكهربائية المسالمة التي جعلتني ارى كل ما  هو قبيح  جميل ، وكل  ما هو جميل اجمل …  

اااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااايه دنيا 

في اول ايام الدراسة في  تلك السنة  كان من نصيبي العاثر ان  يكون معي بالصف احد  هؤلاء الاولاد المغتربين (( فلسطيني الجنسية  من سكان  لبنان – لن اذكر اسمه  لان هذا الايميل معرض لان  يصله بشكل او باخر وامه  صديقة  لامي  لاكثر من  عشرين  سنة ))….

هذا الصبي  كان  يشبهني كثيرا -  (( من الناحية الشكلية فقط))   – فقد كان اشقر الشعر، ابيض البشرة  ، نحيلا،  لون عيناه مماثلا للون عيناي ، وكان الكثيرين يخطئون  في التفرقة بيني  وبينه  فينادوني   باسمه  او ينادوه باسمي- ..

 كنت اقرف منه لانه من الفئة التي  تحدثت عنها   قبل قليل، لذا كان من الطبيعي ان  اتحايل عليه  لكي  يتركني وشاني  ويبحث له عن مقعد  اخر بعيدا عن  عالمي …… 

 لكنه  كان يمتثل  لاوامر امه  الصارمة بان  لا يصادق التلاميذ الليبيين ، ويحصر علاقته  فقط  في  التلاميذ  الاجانب المغتربين،  لان الليبيين كسالى  - على ذمتها –

ولا تريد  لابنها ان ينعدي منهم … 

كانت امه تريده ايضا  ان  يجلس  قريبا  من السبورة ((اللوح ))  حتى يستطيع (( بلع ))  كل ما يكتب عليها  … فكان المقعد  الذي اجلس عليه  مثاليا بالنسبة اليها  ((طالب مغترب + مقعد  قريب من السبورة ))  …

……لذا لم  اتفاجا به عندما   جثم على قلبي من اليوم الاول 

كان  لا يتكلم الا عن الدرس.. وعن الوظيفة المنزلية (( وان انفتح  قليلا على العالم  )) يتكلم  عن الممحاة و المسطرة الزرقاء و كيف استطاع  تغليف كراسته !!

وطبعا …. لم اكن انا معجبا بكل  هذا الهراء ، 

 لذا  كان من الطبيعي ان  اخطط  لطرده من المقعد  ..!!

فبالاضافة الى ما  كان يسببه لي  من اكتئاب  واختناق ،   كان  جاسوسا  خطيرا  لامه وبشكل  غير  مباشر لاهلي ايضا  ، نظرا لان  امه من النوع الذي  لا يحتفظ  بخبر  وهي  تنثر الاقاويل في  كل  مكان كما  ينثر الكلب  ماء استحمامه …!! 

لذلك لم  اكن  استطيع  ان  (اعطس عطسة)  بدون الاخذ بالحسبان  ان  اهلي سيعرفون بها عقب زيارة امه  لمنزلنا ….. 

 وهذا يضر كثيرا بمصالحي الاستراتيجية …

 لابد  من اتخاذ موقف حاسم  قبل  فوات  الاوان …

اعلنت الحرب عليه  ….

في البداية بدات  باظهار  الامتعاض من وجوده  وانتقدته  بكل  حركة غبية يقوم بها  لكن - اللعين -  كان لايكترث بهذا كثيرا ،  وكما قالت له  امه ((اعتبروا كلب وعم بيعوي  وركز بالدرس ))

 - فاعتبرني كذلك  وركز اكثر بالدرس ….. مما جعل كل محاولاتي الابتدائية تبوء  بالفشل ………….!!

بعد  ان تيقنت  من عبثية هذا  الاسلوب قمت   بتغيير خطة الحرب مستخدما  المبدا العربي  الشهير وهو   ((مبدا المقاطعة  ))….

 فبدأت بمقاطعته كما  يقاطع العرب البضائع الامريكية عقب كل ازمة او موقف معادي تتخذه  الولايات المتحدة …..

 في البداية انتبه هو لذلك ،  وبداءت العلاقة بيني  وبينه تشوبها التوتر الحذر ثم بعد  ذلك الفتور فالمقاطعة …

لكنه و ببساطة وكما تفعل الولايات المتحدة في مثل هكذا مواقف او كما  فعلت هولندا والدانمارك  عندما قوطعت،  ……فعل هذا (( اللزج )) ببساطة .!!

فبدلا من ان  يسالني عن الدرس او الوظيفة ,  و ماذا قالت المعلمة،  اصبح  يلتفت الى جاره  على المقعد  الاخر  الذي  اخذ يموله   بكل ما يريد  من اجوبة ، بالاضافة الى المصادر الاخرى ((جيراننا في المقعد الخلفي )),

بهذه الطريقة تجاوز هو الامر  مع  الكثير من الاستفزازات

كان علي عندها ان اتخذ موقفا اكثر تصعيدا واكثر حدية  (( صدام عسكري المباشر ))  عند  اول فرصة سانحة  ..

 مرت الايات ..

..وتوالت

 واتت  تلك  الفرصة …

كان قد وشى بي لاحد الاساتذة  مؤكدا (( انني ورفيق لي نكتب على الجدران  بالصف )) 

واني ((  انا من احضر  كيس بزر  (( لب  اليقطين  )) ووزعته  على الطلبة !!! ))

فكان نصيبي من هذا الاستاذ اربع جلدات  بكرباج  غليظ  يشبه  ذيل الفيل !!!

على اثر تلك  الحادثة  كنت قد  اتخذت بسرعة القرار بتوجيه ضربة عسكرية له على البنى التحتيه …..  تمثلت ب ((شللوط )) على قفاه ثم بعد  ذلك الانقضاض عليه  وتوجيه  كم هائل من اللكمات جعل وجهه ملونا بكل الوان الطيف !!!

 انقشعت غبار  المعركة  …لاجد نفسي  واقفا  بغرفة المدير  ويقف هو بجانبي   ، منحني  الراس ، وخلفنا  الاستاذ (س) ،  الذي عاقبني  بعقاب لن انساه  ابدا  مهما  حييت ،  عندما امسك باذني  وبدا في فركها  وبرمها  وسط  نظراتي المدهوشة ،  ليس  من نوع  العقاب  بل  لانني اكتشفت وقتها المرونة العالية التي تتمتع  بها اذني  والتي  تسمح  لها  بالدوران حول محورها خمس مرات بدون ان تقطع !!!

كانت من نتائج  معركتي معه ان الخبر  وصل لاهلي  مما حمل الوالد و الوالدة على  لومي و  تقريعي بشدة ،  مع انذار شديد  اللهجة بعدم التعرض  له مرة اخرى  وانهم  لا يريدون اي  مشاكل  مع عائلته ..الخ

وهنا وعند  تقييم نتائج  معركتي  معه  بهذه  الفترة وصلت لنتيجة واضحة للغاية

  ((  انتصرت عليه عسكريا وخسرت  سياسيا )) …

 وطبعا  من الصعب الاستمرار  بهذا النهج  نظرا لان موقفي سيصبح  معزولا  ومحاصرا  من كل اصحاب السلطة والقرار

 ((ابتداءا من الاهل  وانتهاءا باساتذني في المدرسة الذين يحبوني في الغالب )) …

  ويجب ان اتفرغ عندها لمواجهة الضغوط  النفسية  والاقتصادية المترتبة على هذا الوضع وانا بغنى عنها …..

 لذلك  لذلك كان علي ان اعيد  النظر في حساباتي الاستراتيجية وان  اعيد  تقييم  الموقف  من جديد  واكون اكثر دقة في اتخاذ القرارات  .

فكرت كثيرا  … الى ان  توصلت  الى اسلوب ظننته  فعالا  و قد  يفيدني في تلك المرحلة  …

 مادمت لا استطيع طرده  بالقوة ، فلماذا لا اكسبه  لصالحي واخطط  لانقلابه على نظامه الداخلي وابدا في معالجة بنيته  الفكرية الهشة على  مبادئ جديدة واسس جديدة … !!

((غزو ثقافي   )) ……….

 قال وزير الاعلام  النازي  (جوبلز )  يوما :(( ليس النصر بان  تدمر عدوك بل  النصر هو ان تدمر مبادئه وايديولوجيته )) !

  على هذا الاساس بدات اعمل…

 في البداية بدات اغريه بالذهاب الى مدرسة البنات ،  ثم بعد  ذلك حدثته عن السينما ،  وروعة ان  يشاهد المرء  فيلما على شاشة عملاقة ،  !!

في  البداية تحمس  كثيرا للامر،  

وشعرت بانه قد وقع في الفخ ، … 

فمشوار واحد  مشترك  الى  السينما اوالى  مدرسة البنات سيجعله  خاتما في اصبعي !!  وعبدا اسيرا لي  احركه  كيفما اشاء و بالطريقة التي احب!! 

في بداية استجاب لكل هذه المغريات  باندفاع  وبموافقة ، لكنه  في  ليله  وضحاها  كان قد  عاد  الى طبيعته البليدة السابقة  ..

 تيقنت هنا  انه  من النوع الذي لا فائدة منه مهما اجهدت نفسي   وانه لا يستطيع ان ينام بدون اخبار امه بما فعل وبما سيفعل !!!

استنفذت خياراتي  ((بفتح الخاء ))

ولم  يتبقى  في  جعبتي  شيء، 

ااثرت الاستسلام 

 وفكرت بالكابوس  الذي  ينتظرني  طوال السنة مع  هذا  الجاثم  على  روحي  !!!

مرت الايام ……

 وكل يوم ازداد  كابة  منه ومن وشاياته المتكررة ونتائجها القاسية !

الى ان اتى الاسبوع  الثالث في الدراسة  واتى معه وباء  الحصبة يجتاح كل  المدارس الليبية  

بدات المراكز الصحية بتامين اللقاحات  والتطعيمات المجانية الاجبارية ،

وبدات سلسلة من غيابات الطلبة تجتاح  الصف  …

 من عوارض  هذا المرض ظهور طفح  جلدي  مدمي على الجسم  وخصوصا على الوجه  والاطراف، مع حرارة، ورمد في العين  وعمى الوان …..

 في البداية ظننت نفسي اني بعيد  عن خطر الاصابة  بهذا المرض

 -طبعا –  لاني ((وائل حسوني))  ولست من الاخرين… 

 ولكن

 حتى  ((وائل حسوني))   لم يسلم من الحصبة ….

مع هذا المرض  عرفت  المخزى الالهي البليغ الذي  نصت  عليه  كل  الكتب المقدسة و المتمثل بجملة (( لا تكرهو شيئا وهو خير لكل  ))

 لان مع هذا المرض  البغيض  اتى خلاصي  منه   باجمل  طريقة ممكنه و  بدراماتيكية رائعة ، جعلتني اشعر  بان العدل  الالهي فوق  كل  شيء …

قبل  اصابتي  بهذا المرض  كنت امقته لدرجة رهيبة  وكان هو يبالغ  باستفزازي   …ويستخف  بي،   نظرا  لتيقنه  من انه  منتصرا علي  لامحالة باقيا  في  مكانه  لايمكن ان  يزحزحه  من المقعد  اي  شيء ، 

  وقد  وصل الى هذا اليقين بعد ان تحصن  بحصانة  دبلوماسية منقطعة النظير في كل مناطق تواجده  ((في المدرسة  من المدرسين وفي خارج  المدرسة  بسبب الحصار المفروض علي من قبل اهلي وتحذيزي  من مغبة التصادم معه ))!! فكان يشعر بالنشوة  وبالقوة  والسطوة التي بدات تميل  لصالحه  مع توفر  كل هذه الظروف !!

 مع بداية علامات المرض الذي  لم  اكن قد  وصلت به   للذروة بعد ((اغلب من  في الصف قد اصيب به ماعدا هو لاسباب مازلت  اجهلها الى الان )) …  

عرفت من طبيب المدرسة الذي  اخذني اليه  والدي اني ساغيب  عن المدرسة لمدة اسبوعين  !!  

 كان  بقائه وحيدا في المقعد   كابوسا يؤرق منامي  فكنت اراه  اثناء  هذيان  درجات الحرارة المرتفعة التي  بدات اعاني منها  ،  جالسا  على المقعد  ممددا عليه  رجليه  ضاحكا ضحكته  الخبيثة   …

او اراه  بجانب احد  رفاقه  ممن هم على  شاكلته  وقد  احتل مكاني  ،  وخصوصا اني بدات اسمع بعض الاشاعات عن ان  امه  قد  حضرت  الى المدرسة مطالبة المدير بوضع تلميذ اخر بجانب ابنها  !!

لذا ((ما بين هذيان حرارتي المرتفعة   وبين  الوعي  واللاوعي وضعت خطتي الجهنمية  التي  كانت احد  اكثر ردات الفعل  تطرفا في  حياتي ))

وضعت الخطة 

وحدد المسار 

والاهداف 

 و 

 تحركت …..

في ( ثاني يوم غياب لي   ) تحاملت على نفسي وذهبت الى المدرسة من اجل هدف واحد 

هل عرفتم  ما هو  ؟؟!!

تحطيم المقعد !!

نعم  تحطيم المقعد  …انك لم  تخطئ  بقراءة الكلمة  !!!

 استيقظت باكرا جدا (( حوالي  الساعة الخامسة والنصف فجرا  ))   وسط  طقس ثلجي  بارد  و ارتديت ما استطيع  ارتداءه  من ملابس ثقيلة وذهبت  وسط  الظلام  الضبابي مع اول خيوط  الفجر الاولى !!!

 كانت ابواب المدرسة قد  فُتحت من قبل  الناطور  السوداني  ،  وُتركت مشرعة كالعادة  …. 

  وكان  هذه الناطور  في الاغلب  يناديني   (( ملخبطاً))  باسم  رفيقي اللعين هذا  ويخطئ كثيرافي التفريق  بيننا 

و كنت اتضايق  من  هذا  كثيرا -  لكني  لم اعرف ان  هذا اروع  ما كان  يفعله (( الناطور  السوداني ))   وهو ما نجاني من هذه  الورطة ….

في الظلام   

 راني معتمرا  قلنسوتي الصوفية ،  مغطيا فمي  وانفي واذناي  وراسي  بشال صوفي سميك  فقال لي مبتسما  مظهرا اسنانه البيضاء في ظلمة اليل  : لماذا انت مبكر الى هذه الدرجة يا ((….))   (( هناك  ساعتين على الصف ومازال الشروق متاخرهل كنت تحلم  بالمدرسة ايها التلميذ النجيب المثالي ؟!! هل  مازلت  تتنافس مع  رفاقك  على الحضور  باكرا هيهيهيهيهي  )) 

نظرت له بهدوء  نظرة طويلة باردة  

 (( لقد  تحدث  معي الاحمق  ظانا  اني  هو بعد  ان  ناداني باسمه !! ))   

    اكملت طريقي نحو الصف الفارغ  وسط  سكون الادراج  والضوء الازرق  الخافت للفجر المتسلل  من النوافذ !!

كان الباب  مواربا فدفعته ودخلت  ووقفت لبرهة  و انتظرت حتى تعودت عيناي على الظلمة ثم  نظرت الى الدرج في الظلام  و بدات  اتفحصه

اخرجت  من جيبي  (( مفتاح  صواميل ((عزقات ))  كنت قد  سرقته من عدة ابي خصيصا لهذه  المهمة  !

 بعد  نصف ساعة  وبعد ان  تحول اللون  الازرق  الداكن في  السما الى الازرق الفاتح  كان المقعد  مفكفكا تماما على الارض !!

جمعت  كل الصواميل  والعزقات و وضعتها في  جيب  الجاكيت وغادرت الصف !!

في  طريقي وبعد خروجي  من الظلمة  كانت الساعة  حوالي السادسة والربع صباحا  و الشمس  لم تشرق  بعد  بالكامل ،  وكنت اسمع قرقعة الاواني  والملاعق في غرفة الناطور ممتزجا  مع  صوت  العصافير وصوت اغنية لفيروز …  فيما رائحة الشاي بالنعناع  الذي  يعده الناطور ،  تفوح  في كل ارجاء  المدرسة …  !

نظرت الى  كل هذا  ومشيت الى البوابة الخارجية المفتوحة قاصدا الذهاب  الى البيت  !!

 من محاسن الصدف اني (( رايت رفيقي اللعين هذا  ))  وهو قادم من بعيد  واضعا يديه  في جيبه  يفكر في اغاظة رفاقة  و (( التعليم  عليهم )))  بانه  اول  طالب ياتي الى المدرسة   وقد  اتى قبلهم جميعا  !!

 من محاسن  الصدف  ايضا  انه  كان يرتدي قبعة صوفية تشبه  قبعتي وكان متلفلفا من راسه  حتى اخمص قدميه لا يظهر  منه  سوى عيونه  وانفه.. 

  طبعا ليس بسبب الحصبة كحالتي،  ولكن بسبب غباء والدته التي تعتقد  انها  بهذه  الطريقة تمنع  الفيروسات و انتقال العدوى اليه من باقي  الطلبة   !!!

عدت الى البيت  لاجد  امي مستيقظة   فاستغربت من   خروجي  في  هذه الساعة  المبكرة ،  ووبختني بشدة  غير مصدقة اني  ذهبت الى الدكانة لاشتري…  

وبختني بشدة

لكنها في النهاية حضنتني بحنان واعادتني الى سريري

   وتحسست حرارتي  المرتفعة جدا   !!  

ثم  اعطتني الدواء

    وقبلت جبهتي 

 ثم غطتني 

واطفات النور وذهبت تعد  فنجان قهوتها الصباحي  …  

بعد  ان  اغلقت  الباب  ازحت الغطاء عني

واخرجت ما في  جيبي ((من عزقات  وصواميل)) 

  و وضعتهم بالدرج  بجانب سريري  

  ونمت !!!

****

في  الايام  التالية  عانيت الامرين  !!

حرارة  + قيئ + ادوية  وامصال  وحقن

ولم  اغادر السرير  الا لاعود  اليه  بعد  دقائق

 كنت بين الفينة والاخرى  ، اتذكر  ما قمت به  واتوهم   باني كنت  احلم  وسط  هذياني المستمر ,,,,

لكني مع   اعادة  فتحي للدرج والتاكد من كون (( العزقات والصواميل ))   موجودين فيه  

اتيقن  بان ما قمت به  حقيقة  وليس  خيال  ….

 توالت الايام

 وبدات  شيئا  فشيئا  استعيد عافيتي  واتماثل للشفاء  …

اذكر في  تلك  الفترةالكم  الهائل من الهدايا وعلب  الشيكولاتة والحلوى  التي  وصلتني  ، ما جعل روعة الشفاء  مضاعفة  ..

كنت قد  نسيت  في  لحظة  شفائي امر  تلك  الليلة ،   وماذا ستكون الامور عليه  عند  عودتي  الى المدرسة !

واتى يوم  العودة ……….. 

 عند  وصولي  الى المدرسة كان الكثير  من الرفاق   والاساتذة  قد احاطو ا  بي  مهنئين بالسلامة ،  بالاضافة الى المدرسات اللواتي كن يحبنني   كثيرا فبرغم شقاوتي  كنت متفوقا وذكيا ،  وكان تفوقي يغطي  اغلب  مشاغباتي  

  بالاضافة الى اني  كنت مميزا جدا  بشعري الاشقر وملامحي  الغير ليبية  !! 

عندما  وقفت في الطابور  الصباحي بحثت عن رفيقي اللعين  هذا  فلم  اجده  

ظننته  غائبا في  البداية  ، ولكن عندما نظرت الى الطابور الاخر  وجدته   واقفا  باخره يؤدي التمارين الصباحية بجدية

لم استوعب  الامر ..  ولكن عندما دخلت الصف  وجدت  مقعدا  جديدا واسعا مريحا شاغرا   مكان ذلك  المقعد  الذي فكفكته  في  تلك  الليلة المباركة  !!

 جلست عليه  قليلا

 واحاط  بي رفاقي 

سالتهم عن (( … )) (زميلي في المقعد ) 

 لقد  رايته  في الطابور الاخر اليوم لماذا لم  ياتي ؟؟

هههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه

بدؤا كلهم  يتكلمون بصوت عال فلم افهم منهم  الا عندما اسكتهم  دخول  المعلمة  لتقول لي :

ان  زميلك  ال (( …. ))  قد اتى    يوم  غيابك  باكرا  وفكفك  المقعد  وقد  اكتشفه  الناطور السوداني  فاحاله   الى المدير الذي ضربه  قياما وقعودا ،،،  واجرى   له  مجلس تاديبي  قاس جدا  ….. وقد  اقسم  الناطور  بروح  امه انه راه ياتي  باكرا  ويدخل  الصف  ليفكفك  الدرج  ويبقى  بكل وقاحة في  باحة المدرسة   وكان شيئا لم يكن لا بل والادهى من ذلك  ان زميلك  ال  ((…. ))  (( قد احضر قرانا واقسم لهم عليه انه اتى باكرا لكنه لم يدخل الصف ))   لكن الناطور السوداني  المعروف بتدينه اقسم هو الاخر على القران  ان الصبي قد  اتى ودخل  الصف  وفكفك  المقعد…..  

  فاخذ الصبي العقاب  اضعافا  مع تحذير المدرسة لاهله  والتلويح  بفصله  عند  اي بادرة منه لتخطي الحدود هذا بالاضافة الى نقله الى صف اخر لا يعرف فيه احدا…. عقابا له …. على عملته  هذه   ….ومن يومها (( حرّم ان  ياتي مبكرا كعادته السابقة واصبح  اخر  من يلتحق بالطابور الصباحي )) ….!!!!

و  هنا  لم  استطيع  تمالك  نفسي  من الضحك   

***************

 هذا السر المكتوم  اكثر  من 17 سنة  ابوح  به الان  بعد  كل هذه السنين  وليسامحني  كل  من يعرف  هذه  الحادثة  من رفاقي  القدامي على  فعلتي  تلك  واعرف انكم ستقدرون  حتما موقفي  بعد  قراءة هذه  الاسطر …

 ايضا  تحية  حب  ومسامحة   الى  رفيق المقعد  البليد  الذي  اصبح  الان متزوجا و له ثلاثة اولاد  ويقيم  في  دبي  …

و يعمل  محاسبا في  شركة استيراد  وتصدير يديرها عمه …

  ايضا  تحية حب  ومودة  الى  (( الناطور  السوداني  )) الحاج ((محمود  بالخير )) الذي  عاد  في  نهاية التسعينات الى قريته شمال السودان  ،وافتتح  فيها محل  سمانه و انقطعت اخباره  منذ ذلك  الحين  ،

  فمن يعرف عنه اي شيء ارجوه بان يوصل اليه  سلامي  مع رقم  تيليفوني  وايميلي   ….

مع  محبتي

                                                        وائل حسوني            

((البحار))

About these ads

عن وائل البحار

انسان يحاول ان يحيا ..لا ان يكون فقط على قيد الحياة ...
This entry was posted in فنجان قهوتي الصباحي. Bookmark the permalink.

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s